اسماعيل بن محمد القونوي
44
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
للعهد لعداوتهم أشد عداوة للمسلمين وعن هذا قال المصنف روح اللّه روحه أو المسلمين واللام للعهد أي حين أريد بالناس المسلمون لما مر من شدة عداوتهم وظاهره يخالف قوله تعالى « 1 » وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ [ البقرة : 113 ] كما يخالف الحصر المذكور فلا ريب في ضعفه وقوة الحمل على الجنس ( أو المسلمين فاللام للعهد ) . قوله : ( لأن من أيقن أنه من أهل الجنة اشتاقها ) فإن قيل كما أنهم لم يتمنوه لن يتمنى المسلمون قلنا إن المسلمين لا يدعون ما يدعونه فالأمر بذلك مسبب عن دعواهم والفاء في فتمنوا يلوح إليه فلذلك قال المصنف لأن من أيقن فإن قولهم : لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً [ البقرة : 111 ] صريح في إيقانهم لا سيما في مذهب الشافعي فإن الاستثناء عندهم يشتمل جملتين إحديهما موجبة والأخرى سالبة فيكون المعنى أن غير اليهود لا يدخل الجنة وأن اليهود يدخلون الجنة مع علمهم بأن الدار الدنيا دار الأكدار ومنزل البوار ومتاعبها لا تحصى وأخرانها لا تستقصى فمجموع هذين الأمرين يورث الاشتياق إلى دار النعم وعن الفراق عن دار الكدر والألم وإلى مجموع ما ذكرناه أشار إجمالا بقوله فإن من أيقن إلى قوله ( واجب التخلص إليها من الدار ذات الشوائب ) وهذا الإيقان منهم أن لا عذاب لهم إلا أياما معدودة كما في قوله تعالى : وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً [ البقرة : 80 ] والظاهر أنهم ادعوا مع ذلك أن عذابهم خفيف كتأديب الآباء للأبناء على قولهم نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [ المائدة : 68 ] فالخوف من مثل هذا العذاب لا يقدح في تمني ما يوصل إلى السعادة المؤبدة كتمني شرب الدواء الكريه ليوصل إلى الشفاء القويم وأما العذاب في البرزخ فالظاهر أنهم لا يعترفونه ولا يصدقونه فإن صدقوه ادعوا بأنه في وقت قليل وعذاب خفيف . قوله : ( كما قال ) « 2 » ( علي رضي اللّه تعالى عنه لا أبالي سقطت على الموت أو سقط الموت عليّ ) استشهاد عليه بما جاء في الآثار وفيه رمز أنيق إلى أن تمنى الموت للاشتياق إلى دار النعيم ولقاء الكريم غير منهي أما المنهي عنه بقوله عليه السّلام لا تتمنوا الموت فإن هذا المطلع شديد فلأجل ألم أصابه فإنه يشعر عدم الصبر على المحن مع ورود الأمر به وعدم الرضاء بالقضاء والتمني غير منهي عنه أيضا إذا خاف الفتنة على دينه روي أن عليا قوله : قال علي رضي اللّه تعالى عنه لا أبالي سقطت على الموت أو سقط الموت علي أي لا إبالي سقطت على الموت عالما بأسبابه وعلاماته أو سقط الموت على غافلا بأن يقع فجأة بلا تقدم علي بأسبابه وأماراته وكان علي رضي اللّه تعالى عنه يطوف بين صفي العدو والمسلمين في غلالة فقال له ابنه ما هذا بزي المحاربين فقال يا بني لا يبالي أبوك على الموت سقط أم عليه سقط الموت .
--> ( 1 ) لأن ظاهر الآية كون الحصر إضافيا لو حمل عليه بالنسبة إلى النصارى أو إليهم وإلى المسلمين كما أن النصارى قالوا لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى فالظاهر أن حصرهم بالنسبة إلى اليهود لو جعل الحصر إضافيا . ( 2 ) أخرجه ابن عساكر في تاريخه كما نقله السيوطي كما قيل .